ابن ميثم البحراني

128

شرح نهج البلاغة

وظاهر كونه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم صفيّا للَّه وأمينا على وحيه ومرتضى لذلك . ثمّ أردف ذلك بالإشارة إلى كونه رسولا ، وإلى وجوه ما أرسل به وهو وجوب الحجج ، وأراد بها إمّا المعجزات أو ما هو أعمّ من ذلك وهو ما يكون حجّة للَّه على خلقه في تكليفهم أن يقولوا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتّبع آياتك . ويدخل في ذلك دلائل الأحكام وطرق الدين التفصيليّة . وكونه أرسل بوجوبها : أي وجوب قبولها على الخلق ووجوب العمل على وفقها ، وظهور الفلج وهو الظهور على سائر الأديان والظفر بأهلها وبالعادلين باللَّه والجاحدين له ، وإيضاح المنهج وهى طريق اللَّه وشريعته . وظاهر كونه موضحا لها ومبيّنا ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ » ( 1 ) فالهدى هو إيضاح المنهج ، وقوله : ليظهره على الدين كلَّه إشارة إلى بعض غايات بعثته وهى المراد بظهور الفلج ، وروى بضمّ الفاء واللام وهو بضمّ الفاء وسكون اللام للفوز ، ويجوز ضمّ اللام للشاعر والخطيب . وقوله : فبلَّغ الرسالة . إلى آخره . إشارة إلى أدائه الأمانة فيما حمّل من الوحي ، وصدعه بالرسالة إظهارها والمجاهرة بها ، وقد علمت أن أصل الصدع الشقّ فكأنّه شقّ بالمجاهرة بها عصا المشركين وفرّق ما اجتمع من شرّهم ، وحمله على المحجّة - وهى طريق اللَّه الواضحة وشريعته - دعوته إليها وجذبه للخلق إلى سلوكها بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالَّتي هي أحسن . ثمّ بالسيف لمن لم تنفعه المجادلة . وأراد بأعلام الاهتداء أدلَّته وهى المعجزات وقوانين الدين الكلَّيّة ، وكذلك منار الضياء وإقامته له إظهارها وإلقاؤها إلى الخلق ، ولفظ المحجّة والأعلام والمنار مستعارة كما سبق غير مرّة . وصادعا ودالَّا نصب على الحال . واستعار لفظ الأمراس والعرى لما يتمسّك به من الدين والإيمان ، ورشّح بذكر المتانة والوثاقة ، وأشار بجعله كذلك إلى تثبيت قواعد الإسلام وغرسها في قلوب الخلق واضحة

--> ( 1 ) 9 - 33 .